محمد أبو زهرة

298

المعجزة الكبرى القرآن

ولذلك كانت الحياة الآخرة وبيانها من مقاصد الأديان السماوية ، فلا يوجد دين سماوي إلا كان الإيمان بالبعث والحساب ، والثواب والعقاب من أركان الإيمان فيه . ولذلك جعل القرآن الكريم الإيمان بالغيب أول أجزاء الإيمان فقد قال اللّه تعالى في أوصاف المؤمنين : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة : 3 - 5 ] . وترى أن أول وصف للمؤمنين هو الإيمان بالغيب فلا تستولى عليهم مادة الحياة ، ولا يسيطر عليهم سلطانهم ، فإن فرق ما بين الإيمان والزندقة الإيمان بالغيب ، فمن حسب أنه لا وجود إلا للمادة المشاهدة المحسة ، فهو ليس بمؤمن وليس عنده استعداد للإيمان إلا من رحم ربك . وقد ختم اللّه سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين بقوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فأوجب الإيمان بالآخرة وأكده بتقديم الجار والمجرور ، أي أن الآخرة وحدها هي الجديرة بالإيمان ، وأنه لا إيمان إلا باليقين الذي لا مجال للريب فيه ، وأن رقى الإنسان في أن تكون حياته غير مقصورة على الدنيا ، لأن التكليف شرف وهو يقتضى تحمل التبعات ولا سبيل لتحمل التبعات إلا أن يكون ثمة يوم يجرى فيه الحساب والثواب والعقاب . ولذلك وصف اللّه سبحانه وتعالى الذين لا يؤمنون بلقاء اللّه تعالى بأنهم الخاسرون : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) [ الأنعام : 31 ، 32 ] . نعم خسر الذين لا يؤمنون بالآخرة ، خسروا إنسانيتهم فقد حسبوها عبثا ليس لها غاية ، وخسروا العزاء إذا شقوا فيها ، فإن الإيمان بالآخرة عزاء روحي لمن يؤمن بها فيتحمل شقاء الدنيا لينال نعيم الآخرة ، وإنهم لم يترقبوا اللقاء فلم يستعدوا بالعمل الصالح . وقد قرر اللّه سبحانه وتعالى أن الإنسان يكون مخلوقا سدى كالهمل إن لم يكن هناك يوم آخر ، حيث قال : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : 36 - 40 ] .